محمد محمد أبو موسى

330

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

وينظر الزمخشري في تركيب الجملة فيرى أن حملها على وجه نحوى أولى من غيره لفائدة بلاغية فيعول عليه وان كان خلاف المشهور بين النحاة تفضيلا للوجه الذي هو أخصب معنى وأوفر دلالة ، يقول في قوله : « أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ » « 23 » : « لأنه كان أهم عنده وهو عنده أعنى ، وفيه ضرب من التعجب والانكار ، لرغبته عن آلهته ، وأن آلهته ما ينبغي أن يرغب عنها أحد » « 24 » واعتبار « راغب » خبرا و « أنت » مبتدأ لا يرضى عنه ابن مالك وأبو البقاء وغيرهم لأنه يترتب عليه اما الفصل بين العامل ومعموله - أي « راغب » و « عن آلهتي » - بأجنبي وهو المبتدأ ، واما الحاجة إلى تقدير عامل وهو خلاف الأصل ، وقد قالوا في توجيه ما ذهب اليه الزمخشري : ان المبتدأ ليس أجنبيا من كل وجه ، ولا سيما والمفصول ظرف متوسع فيه ، والمقدم في نية التأخير ، والبليغ يلتفت لفت المعنى بعد أن كان لما يرتكبه وجه مساغ ، وهذا الأسلوب قريب من ترجيح الاستحسان على القياس لقوة أثره ، وأن زيادة الانكار انما تنشأ من تقديم الخبر كأنه قيل : أراغب أنت عنها ، لا طالب لها راغب فيها ، منبها له على الخطأ في ذلك ، ولو قيل « أترغب » لم يكن من هذا الباب في شئ فتدبر » « 25 » . وتوجيه النحاة لما ذهب اليه الزمخشري ادراك للروح الأدبي التي تأثر بها توجيهاته الاعرابية . أما تقديم المسند اليه ، فان الكلام فيه يشمل تقديم الاسم على الفعل وتقديم الاسم على المشتق ، أما تقديم الاسم على الفعل فقد أشار اليه في مواطن كثيرة منها قوله تعالى : « اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ » قال : « وايقاع اسم « اللَّهُ » مبتدأ وبناء « نَزَّلَ » عليه فيه تفخيم ل « أَحْسَنَ

--> ( 23 ) مريم : 46 ( 24 ) الكشاف ج 3 ص 15 ( 25 ) حاشية الشهاب ج 6 ص 193